فخر الدين الرازي

152

القضاء والقدر

إحداث تلك المشيئة في قلبه ، وثبت في بدائه العقول : أن الموقوف على الموقوف على الشيء ، موقوف على الشيء . فيلزم القطع بأن صدور الفعل عن العبد ، موقوف على مشيئة اللّه . وذلك هو المطلوب . وهذا برهان نفيس شريف ، مركب من مقدمتين مقررتين بالنص القاطع ، والبرهان الساطع . الحجة الثالثة : إنه تعالى أضاف أعمال العباد إليهم ، ثم إنه تعالى أضافها بأعيانها إلى نفسه . وذلك يدل على أن فعل العبد ، فعل اللّه تعالى . بيان المقدمة الأولى ، بآيات : إحداها : قوله تعالى : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا : آمِنُوا « 1 » ثم قال : كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمانَ « 2 » وذلك يدل على أن إيمان العبد فعل اللّه تعالى ، والعبد معا . وثانيها : قوله تعالى : فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا ، وَلْيَبْكُوا كَثِيراً « 3 » ثم قال : وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ ، وَأَبْكى « 4 » وثالثها : قوله تعالى : قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ « 5 » وقال : هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ « 6 » ورابعها : قوله تعالى : فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ . وَلكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ ، وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ . وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى « 7 » فأضاف قتلهم ورميهم إلى نفسه . وخامسها : قوله تعالى : إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا « 8 » ثم قال : كَما أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ « 9 » . فإن قيل : أما قوله : كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمانَ فالمراد منه : الإعانة ، وهو خلق الألطاف . وأما قوله : هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكى فالكلام فيه من وجهين : الأول : لا نسلم أن « أضحك » عبارة عن إيجاد الضحك ، بل المضحك والمبكي من يفعل ما عنده يحصل الضحك والبكاء ، يقال : أضحكني كلامك ، وأبكاني وعظك . والثاني : سلمنا : أنه عبارة عن فعل الضحك والبكاء . لكنه إخبار عن أمر في الماضي . فيقتضي ذلك مرة واحدة . فلم قلتم : إن ضحكنا وبكاءنا هو تلك المرة ؟ . وأما قوله تعالى : هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ فهو محمول على الإقدار والتمكين . كما يقال : سير الأمير جنده إلى بلدة كذا . فإن الفهم يسبق إلى ما ذكرناه .

--> ( 1 ) سورة النساء الآية 136 . ( 2 ) سورة المجادلة الآية 22 . ( 3 ) سورة التوبة الآية 82 . ( 4 ) سورة النجم الآية 43 . ( 5 ) سورة العنكبوت الآية 20 . ( 6 ) سورة يونس الآية 22 . ( 7 ) سورة الأنفال الآية 17 . ( 8 ) سورة التوبة الآية 40 . ( 9 ) سورة الأنفال الآية 5 .